محمد أبو زهرة
80
المعجزة الكبرى القرآن
أنعم فيها فصاحة وصورة بيانية . إذ إنهم لم يكفروا بواحدة ، بل كفروا بها كلها ، فكان الجحود أشد ، والضلال أبعد ، ولكلمة أنعم نغمة هادئة مع سعة المعنى في الكلمة ، إذ إنها نعم متضافرة ، وفيوض خير من اللّه تعالى متكاثرة . هذه حال ما أفاض اللّه تعالى به عليهم ، كانت فيها صور النعم واضحة كلا وجزءا في كل كلمة سيقت لذلك . فلننتقل من الآية الكريمة إلى الصورة التي حلت محل الأولى ، ولننظر إلى الكلمات السامية كلمة كلمة ثم ننظر إلى الصورة التي تتكون من هذه الكلمات التي كانت كل منها صورة قائمة بذاتها ، وهي أيضا جزء من الصورة الكبرى التي يكونها المثل القرآني السامي . الكلمة الأولى : أذاقها اللّه : في التعبير بأذاق إشارة إلى أن الإيلام مس نفوسهم ، وبعد أن كانوا في ترف صاروا يذوقون الضر . يقول الزمخشري « 1 » في معنى الإذاقة : « قد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد ، وما يمس الناس منها ، فيقولون ذاق فلان البؤس والضرر ، وأذاقه العذاب ، شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر » ونرى من التعبير والتقابل أنهم بعد ما سكن قلوبهم من اطمئنان ، وما كان من العيش الرغد ذاقوا الجوع ، وبما منحوا من أمن ذاقوا الخوف ، وهكذا تجد التقابل . والكلمة الثانية : لباس الجوع والخوف ، فيها صورة بيانية رائعة ، فهي تصور الجوع والخوف كأنه لباس لبسهم وأحاط بهم إحاطة الدائرة بقطرها ، لا يخرجون منه إلا إليه ، ولا يدورون إلا في دائرته ، وإن ذلك بلا ريب يفيد الإحاطة الشاملة الكاملة التي لا يستطيعون منها فكاكا ، وهذا يفيد استمراره وتجدده آنا بعد آن ، ولقد قال الزمخشري : « وإن اللباس قد شبه به لاشتماله على اللابس ، ما غشى الإنسان والتبس به من بعض الحوادث ، وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف ، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس ، كأنه قيل ما غشيهم من الجوع والخوف » . ومهما يكن تصوير إمام البلاغة الزمخشري من أن التعبير باللباس يفيد أنه غشيهم وأحاط بهم فإن في الكلام صورة بيانية تصور حالهم بعد الأنعم التي أنعم بها عليهم ، وكفروا بها من أنهم في صورة من كان لابسا للجوع والخوف ، وهم يذوقون ، كمن يلبس ملبسا كله قتاد ، يجرح أجسامهم ، ويدمى جلدهم ، بيد أن هذا لا يدمى الجلد ، ولكن يمس الحشا بالجوع ، والنفس بذهاب الأمن والاستقرار ، وإنا نجد أن هذه الصورة البيانية التي يصورها القرآن قد تضافرت الكلمات في تكوينها فاشترك فيها التعبير بأذاقهم ، والتعبير باللباس ، وكون اللباس جوعا وخوفا ، ولباس الجوع والخوف أشد
--> ( 1 ) هو محمود بن عمر الزمخشري إمام عصره في اللغة والتفسير والحديث توفى سنة 538 ه .